المقدمة: قبل أن يبدأ كل شيء
قبل أن تُخلق السماوات والأرض، وقبل أن يخطّ القلم أرزاق البشر وآجالهم، وضع الله سبحانه وتعالى "قاعدة ذهبية" تحكم ملكوته. هذه القاعدة ليست مجرد قول، بل هي ميثاق مكتوب محفوظ في أرفع مكان في الوجود: فوق العرش. في هذا المقال، نغوص في أعماق حديث "بدء الخلق" لنستشعر الأمان في رحاب ربٍّ سبقت رحمته كل شيء.
نص الحديث الشريف
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:
«لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابِهِ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتي غَلَبَتْ غَضَبِي». (رواه البخاري)
أسرار "الكتاب" المحفوظ فوق العرش
توقف العلماء عند هذا الكتاب وما يحتويه من دلالات عظيمة، وذكروا فيه معنيين:
القضاء النافذ: أن الله سبحانه أوجب هذا الحق على نفسه (بمحض فضله)، كقوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. ومعنى كونه فوق العرش أي أن هذا القضاء ثابت عند الله لا يُبدل ولا يُنسى ولا ينسخه شيء.
اللوح المحفوظ: أنه كُتب في اللوح الذي فيه مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم، ليكون عنوان هذا السجل العظيم هو "الرحمة" التي تسع كل من طَرَقَ بابها.
ماذا نتعلم من هذا الميثاق الإلهي؟
هذا الحديث يرسخ في قلوبنا حقائق عقدية وروحية مذهلة:
عظمة الله فوق عرشه: الحديث يثبت وجود العرش وعظمته، وأن الله سبحانه وتعالى مستوٍ عليه فوق سماواته بائنٌ من خلقه.
إثبات الصفات: يثبت الحديث صفتي "الرحمة" و"الغضب" لله سبحانه، ولكن مع التأكيد على أن الرحمة هي "الغالبة" والمقدمة.
الأمل الدائم: إذا كانت الرحمة قد غلبت الغضب قبل أن تُخلق، فكيف بيأسِ مَنْ يرجوها؟ إنها دعوة لكل مذنب أن يقبل، ولكل مهموم أن يطمئن؛ فمدبّر الكون هو "الرحيم" قبل كل شيء.
رسالة لزوار مدونتنا
إذا استشعرتِ يوماً وطأة ذنوبكِ أو قسوة ظروفكِ، فتذكري ذلك الكتاب الذي فوق العرش. إن ميزان الله يميل دائماً نحو الرحمة والمغفرة لمن استغفر، وما هذه الابتلاءات إلا رحمة في ثوب محنة لتعيدي الوصل بالذي سبقت رحمته غضبه.
الخاتمة: كن في كنف الرحمن
ليس هناك أجمل من أن تنهي يومك وأنت تعلم أن ميثاق وجودك محميٌّ برحمةٍ وسعت كل شيء. استشعري هذه العظمة، واجعلي من قول "يا رحيم" مفتاحاً لكل أبوابك المغلقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق