الأربعاء، 6 مارس 2013

حقيقة إحسان الظن بالله: هل تظن بربك خيراً وأنت تعصيه؟ (كلمة ذهبية لابن القيم)



المقدمة: الفرق بين الثقة والاغترار

كثيراً ما نسمع جملة "أنا أحسن الظن بالله" كعذر للتقصير في الطاعات أو الاستمرار في المعاصي، لكن هل هذا هو المعنى الحقيقي الذي أراده الله؟ الإمام ابن القيم رحمه الله يصحح لنا هذا المفهوم في كلمات تكتب بماء الذهب، موضحاً أن حسن الظن بالله هو في الحقيقة "حسن عبادة" وليس مجرد شعور عابر.


أولاً: حسن الظن لا ينفك عن "الإحسان"

يؤكد ابن القيم أن هناك رابطاً شرطياً بين العمل وبين الظن؛ فالمحسن هو الشخص الذي اجتهد في طاعة الله، وبذل وسعه في الخير، ثم بعد ذلك أحسن الظن بربه:

  • لماذا يحسن الظن؟ لأنه يثق أن الله لا يخلف وعده، وأنه سبحانه سيجازيه على إحسانه، ويقبل توبته عن تقصيره.

  • النتيجة: حسن الظن هنا هو "ثمرة" للعمل الصالح ويقين بالجزاء الإلهي.

ثانياً: وحشة المعاصي تمنع حسن الظن

أما الشخص المسيء، المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات، فمن المحال أن يذوق حقيقة حسن الظن بالله، والسبب هو "الوحشة":

  • قانون القلوب: المعصية والظلم والحرام تخلق جداراً من الوحشة بين العبد وربه. هذه الوحشة تجعل العبد يهرب من ربه بدلاً من الإقبال عليه.

  • المثال الحي: يضرب ابن القيم مثلاً بالعبد "الآبق" (أي الهارب من سيده)؛ هل يمكن لهذا العبد المسيء أن يحسن الظن بسيده وهو في حالة تمرد ومعصية؟ بالطبع لا.


ثالثاً: القاعدة الذهبية في حسن الظن

لقد لخص ابن القيم القضية في جملة واحدة تمثل ميزاناً لكل مؤمن:

"وأحسن الناس ظناً بربه.. أطوعهم له"

كلما زادت طاعتك واتباعك لأوامر الله، زاد في قلبك نور اليقين وحسن الظن به. وكلما زادت المعاصي، انطفأ نور الظن الجميل وحل محله الخوف والوحشة والاغترار الكاذب.


رابعاً: كيف تصحح ظنك بالله؟

  1. ابدأ بالعمل: لا تنتظر أن يمتلئ قلبك بحسن الظن وأنت بعيد عن الصلاة أو مقيم على ظلم. الإحسان في العمل هو الطريق للسكينة.

  2. التوبة من الوحشة: إذا شعرت أنك تخاف لقاء الله أو تشك في رحمته، فراجع ذنوبك؛ فربما هي التي تحجب عنك جمال الظن به.

  3. اليقين في الله: أحسن الظن بأن الله سيعينك على الطاعة، وسيقوي قلبك على ترك الحرام، فهذا هو حسن الظن الذي يدفع للعمل.


الخاتمة: حسن الظن هو "وقود" الطاعة 

اجعل ظنك بربك دافعاً لك لتكون أفضل، لا عذراً لك لتبقى كما أنت. كن من "المحسنين" الذين استبشروا بفضل الله، وعملوا لرضاه، فاجتمع لهم خير العمل وخير اليقين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق