الجمعة، 4 يناير 2013

هارون الرشيد: الخليفة الذي رد على ملك الروم بـ "الجواب ما ترى لا ما تسمع"


 هارون الرشيد

كثيرًا ما شوهت الدراما والكتب غير الدقيقة صورة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وصورته كصاحب لهو وشرب، بينما الحقيقة التي سطرها المؤرخون المنصفون تحكي عن رجل كان يحج عامًا ويغزو عامًا، ويصلي في يومه وليلته مائة ركعة تطوعًا لله.
ولعل أعظم قصة تبرز قوة شخصيته وعزة دينه هي قصته مع "نقفور" ملك الروم، والتي تظل درساً في العزة لكل الأجيال.

الرسالة المستفزة: حين تجرأ نقفور

بدأت القصة حين اعتلى "نقفور" عرش الروم، فأرسل خطابًا طويلًا مليئًا بالوعيد والتهديد والشتائم لأمير المؤمنين والمسلمين، متوعدًا بهدم الكعبة وتدمير بلاد الإسلام. كانت الرسالة تحمل لغة استعلاء واضحة، ظناً منه أن المسلمين في حالة ضعف.
الرد الصاعق: "من هارون الرشيد إلى كلب الروم"
حين قرأ هارون الرشيد الرسالة، احمرّ وجهه غضباً، والجميل هنا هو احتقاره لملك الروم؛ فلم يطلب ورقة جديدة للرد، بل أمر كاتبه أن يكتب الرد على ظهر خطاب نقفور نفسه.
كتب الرشيد كلمات خلدها التاريخ بمداد من نور:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم.. قد قرأتُ كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى".

الجواب ما تراه: حين تحركت جيوش الحق

لم ينتظر الرشيد طويلًا، بل نادى في الناس: "الجهاد.. الجهاد!". وبسرعة البرق، اجتمع جيش جرار يقوده الخليفة بنفسه، متجهًا نحو بلاد الروم. فتح القرى والبلدان واحدة تلو الأخرى، وصداه يزلزل أركان مملكة نقفور، حتى وصل إلى عاصمته وحاصرها حصارًا شديدًا.

النهاية الحتمية للغرور

أدرك نقفور أنه ارتكب أكبر خطأ في حياته، وحاول عرض الأموال والجزية على هارون الرشيد ليفك الحصار، لكن الخليفة العظيم كان قد أقسم ألا يعود إلا برأس نقفور أو النصر المبين. ونتيجة لهذا الضغط والعزة، انقلب الروم على ملكهم نقفور وسلموا رأسه لهارون الرشيد، واستسلموا خاضعين ودفعوا الجزية صاغرين.
العبرة من القصة
عاد هارون الرشيد منتصراً، ليس من أجل المال أو الجاه، بل ليعلم العالم أجمع أن كرامة المسلم خط أحمر، وأن ملوك الأرض جميعاً لا يقفون أمام من يعتصم بحبل الله.
وقفة تأمل: شتان بين زمان كان فيه الخليفة يخرج بجيشه لأجل كلمة نالها نقفور من كرامة الأمة، وبين زماننا الذي يصرخ فيه المكلومون: "أغيثونا" فلا يجدون مجيباً!

الخميس، 3 يناير 2013

علامات الساعة الصغرى (7): زمن الهرج، انحسار السلام، واضطراب الأرض


علامات الساعة
✽..✽..✽..✽..✽..✽

ـــــــــ الحلقة 7ــــــــــ


انتهينا من علامات الساعة التي ظهرت وانقضت
وبدأنا في العلامات التي ظهرت ولا تزال تتتابع ومستمرة معنا حتى ظهور العلامات الكبري
نكمل معا ......

أهلاً بكم في حلقة جديدة من سلسلة "أشراط الساعة". في الحلقات السابقة استعرضنا فتن الشهوات والمال، واليوم ننتقل إلى علامات تتعلق بالأمن والاجتماع وتغير أحوال الطبيعة، وهي علامات تزداد ظهوراً يوماً بعد يوم في واقعنا المعاصر.

10. كثرة "الهرج".. حين يغيب العقل ويستباح الدم

من العلامات التي حذر منها النبي ﷺ بشدة هي كثرة القتل بغير وجه حق، حتى يغيب الهدف والسبب.

  • في الصحيحين، قال ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل".

  • وفي وصفٍ دقيق لحال القاتل والمقتول في آخر الزمان، قال ﷺ: "والذي نفسي بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم، لا يدري القاتل فيما قتَل، ولا المقتول فيمَ قُتل" (رواه مسلم).

لماذا القاتل والمقتول في النار؟ أوضح النبي ﷺ أن هذا الحكم ينطبق حين يلتقي المسلمان بسيفيهما (أو سلاحهما) وكل منهما يطمح في التخلص من الآخر، فالمقتول كان "حريصاً" على قتل صاحبه، مما يدل على فساد النوايا وضياع الورع.

11. تسليم الخاصة وفتنة التجارة وقطيعة الأرحام

رسم لنا النبي ﷺ صورة دقيقة للمجتمع في آخر الزمان، حيث تتبدل الأخلاق والاهتمامات:

  • تسليم الخاصة: وهو أن يخص المسلم بسلامه من يعرفه فقط، وهذا يخالف السنة التي تأمر بإفشاء السلام على من عرفنا ومن لم نعرف، وهو دليل على جفاء القلوب.

  • فشو التجارة ومشاركة المرأة: قال ﷺ: "بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة". والمقصود هنا انغماس المجتمع بالكامل في المادة، حتى تصبح التجارة هي الشغل الشاغل الذي يلهي عن طاعة الله وذكر الآخرة.

  • قطيعة الأرحام: وهي من أوضح العلامات في عصرنا، حيث فرقت المادة والمصالح بين الإخوة والأقارب، وسادت الجفوة تحت مسميات "انشغال الحياة".

12. كثرة الزلازل (آيات كونية مخوفة)

أخبر النبي ﷺ أن اقتراب الساعة سيتزامن مع اضطراب في الطبيعة، فقال:

"لا تقوم الساعة حتى تُقبض العلم وتكثر الزلازل" (رواه البخاري).

وما نشهده في السنوات الأخيرة من تزايد وتيرة الهزات الأرضية في مناطق لم تكن معهودة بها، هو تصديق عملي لهذه النبوءة، ودعوة للناس للرجوع إلى الله والاستغفار.


خاتمة ودعاء

إن هذه العلامات هي "رسائل ربانية" تنبه الغافل وتثبت المؤمن. فإذا رأينا القتل والقطيعة واضطراب الأرض، علمنا أن الوعد حق، وأن المفر الوحيد هو إلى الله وحده.

اللهم أعذنا من الفتن، وطهر قلوبنا، وأصلح ذات بيننا.. آمين.

تابعونا في الحلقة القادمة لمتابعة باقي السلسلة.. بارك الله فيكم.

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

كنوز الحسنات: كلمات بسيطة تزن الجبال في ميزانك يوم القيامة


في زحام الحياة اليومية، قد يغفل الكثير منا عن أذكار يسيرة لا تستغرق دقائق، لكن فضلها عند الله يفوق الوصف. لقد أرشدنا النبي ﷺ إلى "كنوز" من الأذكار والأعمال التي تضاعف الحسنات وتمحو السيئات وتفتح أبواب الجنة.

إليكِ ثلاثة من أعظم هذه الكنوز النبوية:

الكنز الأول: الذكر الذي يزن عبادة الساعات

هل تتخيلين أن كلمات قليلة تقولينها في ثوانٍ، قد تزن عند الله عبادة من يجلس يذكر الله لساعات طويلة؟ يروي لنا الإمام مسلم قصة أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، حين خرج النبي ﷺ من عندها الفجر ورجع وقت الضحى وهي لا تزال تذكر الله، فقال لها:

"لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: {سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته}". (صحيح مسلم)

الكنز الثاني: تذكرة دخول الجنة (آية الكرسي)

كثيرون يقرأون آية الكرسي، ولكن هل تعلمين فضل قراءتها بانتظام خلف كل صلاة مفروضة؟ لقد بشرنا النبي ﷺ ببشرى مذهلة حين قال:

"مَن قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت". (رواه النسائي وصححه الألباني)

هذا يعني أن المسافة بين العبد وبين الجنة هي "خروج الروح" فقط، طالما حافظ على هذه الآية العظيمة بعد كل صلاة.

الكنز الثالث: الكلمات الأربع التي اصطفاها الله

ليست كل الكلمات سواء عند الله؛ فهناك أربع كلمات اختارهن الله لنفسه وجعل لهن أجراً خاصاً ومضاعفاً. يقول النبي ﷺ:

"إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

كيف تُحسب حسناتها؟

  • من قال (سبحان الله أو الله أكبر أو لا إله إلا الله): كُتبت له 20 حسنة، وحُطت عنه 20 سيئة.

  • أما من قال (الحمد لله رب العالمين) من قِبل نفسه: كُتبت له 30 حسنة، وحُطت عنه 30 سيئة. (رواه أحمد)


خاتمة إيمانية

إن فضل الله واسع، وهذه الكنوز هي دعوة لكل مسلم ومسلمة لاستثمار "الأوقات البينية" (أثناء العمل، في المواصلات، أو بعد الصلاة) لملء موازيننا بالحسنات.

اللهم اجعلنا ممن يذكرونك كثيراً والذاكرات، وتقبل منا صالح الأعمال.. آمين.

الصالحون من البشر أم الملائكة: مَن الأفضل عند الله؟


لطالما تساءل الكثيرون عن المكانة والمنزلة: هل الملائكة الذين خلقوا من نور ولا يعصون الله ما أمرهم هم الأفضل؟ أم صالحو البشر الذين جاهدوا أنفسهم ووساوس الشيطان؟ لقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا السؤال بتفصيل بليغ يوضح "فلسفة التفضيل".

أولاً: تفضيل الملائكة باعتبار "البداية" (الحال الحاضر)

يرى ابن تيمية أن الملائكة في الوقت الحالي لهم الأفضلية من حيث "الحال"؛ فهم:

  • موجودون في الرفيق الأعلى ومنزهون عن شهوات الدنيا وملابساتها.

  • مستغرقون تماماً في عبادة الله وتسبيحه دون فتور.

  • خُلقوا بطبيعة ليس فيها ميل للشر أو غفلة، لذا فإن أحوالهم الآن أكمل من أحوال البشر الذين يكابدون الدنيا.

ثانياً: تفضيل صالحي البشر باعتبار "النهاية" (يوم القيامة)

هنا يكمن سر تكريم الإنسان؛ فصالحو البشر سيكونون الأفضل يوم القيامة وفي الجنة لعدة أسباب:

  1. المجاهدة: البشر عبدوا الله رغم وجود الشهوات، ووساوس الشيطان، وضعف النفس، فكانت عبادتهم "اختيارية" فيها مجاهدة عظيمة.

  2. كمال النهاية: بعد دخول الجنة، يرفع الله منازل الصالحين من عباده، وتخدمهم الملائكة بإذن الله، كما قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ}.

  3. الاستخلاف: الإنسان هو الذي حمله الله الأمانة واستخلفه في الأرض، فإذا أدى حقها صار أكمل عند الله في دار الجزاء.

الخلاصة:

كما لخصها ابن تيمية رحمه الله:

"صالحو البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية."

فالملائكة الآن في حال أطهر، ولكن المؤمنين في الجنة سيصلون إلى كمالٍ ومنزلةٍ قد تزيد على منزلة الملائكة بفضل صبرهم وإيمانهم في دار الابتلاء.

الخميس، 27 ديسمبر 2012

علامات الساعة الصغرى (6): ناطحات السحاب، استحلال الخمور، وظاهرة عقوق الأمهات

علامات الساعة
✽..✽..✽..✽..✽..✽


ـــــــــ الحلقة 6 ــــــــــ
 

أهلاً بكم في حلقة جديدة من "أشراط الساعة". نواصل اليوم رصد العلامات التي أخبرنا بها المصطفى ﷺ، والتي بدأت تظهر في عصرنا بوضوح تام، وكأننا نقرأ تفاصيل واقعنا من خلال أحاديث نبوية قيلت قبل أكثر من 1400 عام.

7. كثرة شرب الخمور وتغيير أسمائها

من العلامات التي انتشرت بشكل مفزع هي شرب الخمر، بل والأدهى من ذلك هو محاولة "شرعنتها" بأسماء مخادعة.

  • في صحيح مسلم، ذكر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة: "ويُشرب الخمر".

  • وفي رواية للإمام أحمد، قال ﷺ: "لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه".

لقد تحقق هذا اليوم؛ حيث يُطلق عليها "مشروبات روحية" أو "فواكه مخمرة" أو "كوكتيل"، والهدف واحد وهو الالتفاف على التحريم، مما يدل على استهانة الناس بحدود الله.

8. معجزة العمران: التطاول في البنيان

أخبر النبي ﷺ جبريل عليه السلام عن علامة عجيبة تتعلق بالهندسة المعمارية وتغير أحوال الناس المادية، فقال:

"وإذا تطاول رعاء البهائم في البنيان فذاك من أشراطها" (متفق عليه).

لقد رأينا في زماننا هذا كيف تحولت الصحاري والمناطق التي كان يسكنها رعاة الأغنام إلى مدن تضم أطول ناطحات السحاب في العالم.

  • يقول الحافظ ابن حجر: "معنى التطاول أن كل من يبني بيتاً يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر".

  • ويقول العلامة حمود التويجري: "التطاول يكون بتكثير الطبقات، وتحسين البناء، وتوسيع المرافق"، وكل هذا نراه اليوم واقعاً ملموساً من التنافس في تشييد الأبراج الشاهقة.

9. ولادة الأمة لربتها (بين اتساع الفتوحات وعقوق الأولاد)

من أكثر العلامات التي أثارت تساؤل العلماء هي قوله ﷺ: "إذا ولدت الأمة ربتها". وقد وضع العلماء عدة تفسيرات قوية لهذه النبوءة:

  1. اتساع الفتوحات: أن يملك المسلمون الجواري (الإماء)، فإذا أنجبت الجارية من سيدها ولداً، أصبح هذا الولد حراً وسيداً لأمه، وهذا ما حدث في عصور ازدهار الإسلام.

  2. انقلاب الموازين وكثرة العقوق: وهذا هو "أوجه الأوجه" كما قال ابن حجر؛ وهو أن يكثر عقوق الأولاد لأمهاتهم، حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد لأمته، فيأمرها وينهرها ويهينها وكأنها خادمة عنده.

للأسف، نحن نعيش اليوم زماناً نرى فيه صوراً مؤلمة من عقوق الوالدين، حيث تخدم الأم أولادها وكأنها مملوكة لهم، بينما يمارسون هم عليها "سلطة" السيد على أَمته.


خاتمة ودعاء

إن رؤية هذه العلامات تتحقق أمام أعيننا تزيدنا إيماناً بصدق نبوة محمد ﷺ، وتجعلنا ندرك أن الساعة تقترب، مما يستوجب علينا سرعة العودة إلى الله وتصحيح علاقتنا بوالدينا وبالناس أجمعين.

اللهم اهدنا واهدِ بنا وارحمنا واعفُ عنا.. آمين.

تابعونا في الحلقة القادمة لنستكمل بقية السلسلة.. بارك الله فيكم.

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

وصف تربة الجنة ونعيمها: رحلة إيمانية في أرض المسك وقباب اللؤلؤ


دائماً ما يراودنا السؤال: كيف تبدو الجنة؟ تلك الدار التي أعدها الله لعباده الصالحين، والتي مهما وصفها الواصفون وكتب عنها الكاتبون، تظل أعظم مما يتخيله العقل البشري، فهي التي قال عنها النبي ﷺ: "فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ".

أولاً: تربة الجنة.. مسك وبياض ناصع

هل تخيلت يوماً أن تمشي على أرضٍ ليست تراباً كترابنا، بل هي عطرٌ خالص وبياض مبهر؟ عندما سُئل النبي ﷺ عن تربة الجنة، جاء الوصف مذهلاً:

«دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ، مِسْكٌ خَالِصٌ» (رواه مسلم).

والدرمك هو الدقيق شديد البياض والنعومة. فتربة الجنة في بياضها كالدرمك، وفي ريحها وطيبها كالمسك الأذفر. وفي حديث المعراج، أكد النبي ﷺ ذلك حين قال: «ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ... وَإذَا تُرَابُـها المِسْكُ» (متفق عليه).

ثانياً: قباب اللؤلؤ وبناء الجنة

في رحلة المعراج، رأى النبي ﷺ مناظر يعجز اللسان عن وصفها، ومنها "جنابذ اللؤلؤ". والجنابذ هي القباب المرتفعة؛ فلك أن تتخيل قصوراً وقباباً مصنوعة من اللؤلؤ الصافي المجوف، تتلألأ في جنات النعيم.

ثالثاً: ضيافة أهل الجنة.. أواني من فضة ببريق الزجاج

من عجائب النعيم أن الله تعالى يسخر لأهل الجنة خدماً يطوفون عليهم بأواني الطعام وأكواب الشراب بقمة الإتقان والجمال. يقول الله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}.

الإعجاز هنا: أنها فضة في مادتها، لكنها شفافة كالزجاج (قوارير) ترى ما بداخلها، وهي مصممة بدقة متناهية لتروي ظمأ الشارب بمقدار ما يشتهي بالضبط، لا تزيد ولا تنقص.

رابعاً: ثمار الجنة.. قطوف دانية

في الجنة، لا يحتاج المؤمن لبذل مجهود لجني الثمار، فكل شيء مسخر لراحته. يقول تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}. الثمار قريبة جداً، يتدلى الغصن ليقطفه المؤمن سواء كان قائماً، أو قاعداً، أو حتى مضطجعاً على سريره. ويقال لهم حينها بفيض من الحب والكرامة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}.

خاتمة: اللهم اجعلنا من أهلها

الجنة هي الجائزة الكبرى، وهي تستحق منا العمل والصبر والاجتهاد في هذه الأيام المعدودة. ترابها مسك، وبناؤها ذهب وفضة، وسقفها عرش الرحمن.. فهل من مشمر؟

اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.. آمين.

البُشرى الكبرى: مَن هم السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟


من يدخل الجنة بغير حساب ولا سابقة حساب ؟



يطمح كل مسلم أن ينال رضوان الله، وأعلى طموح قد يصله المؤمن هو أن يمر إلى الجنة مباشرة، بغير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. فهل تعرف مَن هم هؤلاء الصفوة؟ وما هي الصفات التي جعلتهم يستحقون هذه المكانة العالية؟

أولاً: المشهد العظيم.. أمة النبي ﷺ تملأ الأفق

يروي لنا ابن عباس رضي الله عنهما مشهدًا مهيبًا من مشاهد يوم القيامة، حيث عُرضت الأمم على النبي ﷺ، فرأى الأنبياء معهم العدد القليل من الأتباع، حتى رأى سواداً عظيماً يملأ الأفق، فكانت تلك هي أمة الإسلام.

ومن بين هذا السواد الأعظم، اختص الله فئة متميزة، وصفهم النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه:

«هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً قُدَّامَهُـمْ لا حِسَابَ عَلَيْـهِـمْ وَلا عَذَابَ».

ثانياً: الصفات الأربع لـ "صفوة أهل الجنة"

حين سأل النبي ﷺ عن سبب تميز هؤلاء، كانت الإجابة تلخصت في أربع صفات أساسية تعكس قوة التوحيد واليقين في قلوبهم:

  1. «لا يَسْتَرْقونَ»: أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، وذلك لقوة اعتمادهم على الله ويقينهم أن الشفاء بيده وحده، وهذا لا ينافي الرقية الشرعية، بل هو كمال التوكل.

  2. «لا يَكْتَوونَ»: أي لا يسألون غيرهم الكي بالنار للعلاج إلا عند الضرورة القصوى، لأن فيه نوعاً من التعذيب وتوكلاً على السبب.

  3. «لا يَتَطَيَّرُون»: أي لا يتشاءمون بالطيور أو الأحداث أو الأرقام، فقلوبهم نقية من خرافات الجاهلية.

  4. «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»: وهذا هو الأصل الجامع، فهم أصحاب القلوب التي انقطعت عن التعلق بالخلق وتعلق باريها وحده.

ثالثاً: مضاعفة العدد.. فضل الله الواسع

لم يتوقف الكرم الإلهي عند السبعين ألفاً فقط، بل زادنا النبي ﷺ من البشريات ما تدمع له العين فرحاً. ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه:

«وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدخلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِـينَ أَلْفاً لا حِسَابَ عَلَيْـهِـمْ وَلا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُـونَ أَلْفاً، وَثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».

 قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله "ثلاث حثيات من حثيات الله": "هذه لا تُحصى"، فهي تعبير عن كرم الله الذي لا يحده عدد ولا حساب.

خاتمة: لعلنا نكون منهم

إن هذه الصفات ليست مستحيلة، بل هي دعوة لتجديد التوحيد في قلوبنا، والاعتماد الكلي على الله في كل شؤون حياتنا. فالمسألة ليست مجرد أرقام، بل هي "حال قلبي" مع الله عز وجل.

اللهم اجعلنا ووالدينا ومن نحب منهم، وممن يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.. آمين.