مقدمة: الشاشات الصامتة والشهود الناطقة
في عالمنا الرقمي اليوم، نكتب ونشاهد ونسمع الكثير، غافلين أحياناً عن أن كل نقرة على لوحة المفاتيح، وكل نظرة لشاشة، وكل صوت نستمع إليه، هو جزء من ملف ضخم يُفتح يوم القيامة. احترس! فأنت لست وحدك، وجوارحك التي تستخدمها الآن هي الشهود الذين سينطقون غداً.
أولاً: مسؤولية السمع والبصر والفؤاد
إن الحواس ليست مجرد أدوات للمتعة، بل هي أمانات ستُسأل عنها سؤالاً دقيقاً.
يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
المعنى: لا تتبع ما لا علم لك به، ولا تقل سمعت ولم تسمع، أو رأيت ولم ترَ، فكل هذه الجوارح ستُستنطق أمام الله.
ثانياً: مشهد العرض الرهيب (يوم تُحضر الأعمال)
تخيل لو أن كل ما فعلته في حياتك—في سرك وعلنك—يُعرض اليوم على شاشة ضخمة أمام كل الخلائق!
قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} (آل عمران: 30).
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير أن العبد سيسعد بما يرى من خير، ولكن القبائح ستغصّه وتؤلمه حتى يتمنى لو أنها بَعُدت عنه مئات السنين.
القاعدة: ما تستحي أن يراه الناس منك في الدنيا، فلا تفعله في السر، لأن الجميع سيراه في الآخرة.
ثالثاً: وصية لكل كاتب ومبدع
بما أننا في زمن "الكتابة الرقمية"، تذكر هذه الأبيات الخالدة التي يجب أن تكون أمام عينيك قبل نشر أي منشور أو تعليق:
وَمَا مِن كَاتب إلاّ سَيفنى .. ويُبقي الدهرُ ما كتبت يَداه فَلا تكتُب بكفِكَ غَير شَيئ .. يسُركَ في القيَامة أن تَراه
اجعل قلمك (أو لوحة مفاتيحك) ميزاناً للحسنات، وانشر ما يرفع قدرك عند الله، لا ما يهوي بك في ندم لا ينتهي.
رابعاً: باب الأمل.. لا تقنطوا من رحمة الله
رغم التحذير، يظل الله عز وجل هو "الرؤوف بالعباد". إذا زلت قدمك، أو أسرفت على نفسك، فلا يغلقنّ الشيطان في وجهك باب الرجاء.
قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.
العمل الآن: تب إلى الله، واستغفره، واطلب منه العفو والستر؛ فالستر في الدنيا من علامات الستر في الآخرة.
الخاتمة: دعاء الستر
اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك. اللهم لا تفضحنا بذنوبنا، واجعل ما نكتبه وما نسمعه حجة لنا لا علينا.. آمين.






