المقدمة: السكون المذهل
هل تأملت يوماً في هذا الفضاء الشاسع؟ ملايين الكواكب والنجوم، ومجرات تسبح في مدارات دقيقة، وأرضٌ تحملنا وتدور بنا بسرعة هائلة.. ومع ذلك، نعيش في سكون وطمأنينة. هل سألت نفسك يوماً: ما الذي يمنع هذه السماوات أن تنهار؟ وما الذي يحفظ الأرض أن تضل طريقها في هذا الفراغ الموحش؟ إنها ليست مجرد قوانين فيزياء، بل هي "القيومية" الإلهية في أبهى صورها.
أولاً: القيام بأمر الله
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} (الروم: 25). كلمة "تقوم" هنا تحمل إعجازاً كبيراً؛ فالسماء بكل ما فيها من أجرام، والأرض بكل ما عليها من جبال وبحار، لا تستند إلى أعمدة نراها، بل هي قائمة ومنتظمة بكلمة "الأمر" الإلهي. هذا الإمداد المستمر بالأسباب هو الذي يحفظ للكون توازنه، ولو انقطع هذا الأمر للحظة واحدة، لانهار كل شيء.
ثانياً: الإمساك الإلهي ومنع الزوال
تأملي في قوله سبحانه: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ} (فاطر: 41).
الإمساك: هو القوة الخفية التي تمنع التفكك والانهيار.
الزوال: هو الانحراف عن المسار أو الفناء.
تخبرنا الآية أن هذا الكون ليس "آلة" تعمل وحدها، بل هو تحت رعاية مباشرة ومستمرة من الخالق. ثم يأتي التحدي الإلهي للبشرية: {وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}؛ فإذا تخلى الخالق عن حفظ هذا الكون، فمن ذا الذي يملك القوة أو التكنولوجيا لإعادة كوكب إلى مداره أو منع سماء من السقوط؟
ثالثاً: حكمة الختام بالرحمة
من المذهل أن تنتهي آية "إمساك السماوات" بقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}. ولعل الحكمة في ذلك أن بقاء هذا الكون رغم معاصي العباد وتقصيرهم هو من حلم الله ومغفرته، فهو يمسك السماء ألا تقع على الأرض عقوبةً لنا، ويمدنا بالأرزاق والأسباب لعلنا نرجع ونشكر.
دروس مستفادة لزوار مدونتنا
طمأنينة التوكل: مَن يمسك السماوات والأرض ألا تزولا، ألا يستطيع أن يمسك قلبك عن الانهيار؟ وألا يمسك حياتك عن الضياع؟
التفكر عبادة: إن لحظة تأمل في السماء كفيلة بأن تجدد الإيمان في قلبك وتشعرك بحجمك الحقيقي أمام عظمة الخالق.
الشكر على الثبات: استقرار الأرض وهدوء السماء نعمة تستحق الشكر اليومي، فلولا "إمساك الله" لهما لما طاب لنا عيش.
الخاتمة: تأمل لتؤمن
إن دلائل وجود الله ليست في الكتب فحسب، بل هي منقوشة في صفحة الكون الفسيح. انظر حولك، وتأمل في هذا الثبات العظيم، واهمس بقلبك: "سبحان مَن يمسك السماوات والأرض برحمته وقدرته".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق