صفة الصراط يوم القيامة ..
الصراط.. هو المحطة التي تحبس أنفاس الخلائق، والجسر الذي يُضرب فوق متن جهنم ليعبر عليه الأولون والآخرون. هو الاختبار الأخير والعملي لصدق الإيمان وقوة العمل في الدنيا. في هذا المقال، نكشف عن صفات هذا الجسر كما وصفه النبي ﷺ، وكيف تتفاوت أحوال الناس عليه.
أولاً: ما هو الصراط؟ وصف دقيق من السنة
الصراط ليس جسراً عادياً، بل هو "دحض مزلة" كما وصفه المصطفى ﷺ، وإليك أبرز صفاته التي تجعل القلوب تدرك عظمة الموقف:
الدقة والحدة: ورد في الأثر عن أبي سعيد الخدري قوله: "بلغني أن الجِسْرَ أَدَقُّ من الشعرةِ وأَحَدُّ من السيفِ".
الكلاليب والحسك: على حافتيه خطاطيف وكلاليب مأمورة، وهي حدائد معقوفة تخطف من أُمرت به. وفيه "حسك" وهي شوك صلب كشوك السعدان (نبات شوكي معروف بصلابته).
الظلمة والسواد: الصراط ممدود فوق جهنم التي هي "سوداء مظلمة"، مما يجعل العبور مستحيلاً إلا بنور يقذفه الله في قلب المؤمن.
ثانياً: كيف يمر الناس؟ (السرعة بقدر العمل)
المرور على الصراط ليس بالجهد البدني، بل بقوة العمل الصالح. وفي ذلك يقول النبي ﷺ في الحديث العظيم:
«ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله وما الجسر ؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد، فيها شويكة، يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (رواه مسلم).
أصناف المارين كما جاء في الحديث:
ناجٍ مُسلَّم: وهو من يمر بسلام كالبرق أو الريح دون أن تمسه الكلاليب.
مخدوش مُرسَل: وهو من تمزق الكلاليب جلده (تخدشه) لكنه ينجو في النهاية ويصل لبر الأمان.
مكدوس في النار: وهو من تخطفه الكلاليب ليرتمي في قعر جهنم، والمكدوس هو من يقع بعضه فوق بعض.
ثالثاً: النور على الصراط.. وقود النجاة
بما أن الصراط مظلم تماماً، فإن الله يعطي المؤمنين نوراً يضيء لهم موضع أقدامهم. هذا النور يتناسب طردياً مع إخلاصك وعملك، كما وصفه النبي ﷺ في حديث ابن مسعود:
«فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة».
وهنا تلهج ألسنة المؤمنين بالدعاء الخالد الذي ذكره القرآن: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التحريم: 8).
رابعاً: دعاء الأنبياء (اللهم سلم سلم)
في هذا الموقف المهيب، لا يتكلم أحد إلا الرسل من شدة الهول، ودعاؤهم في ذلك اليوم هو أرجى دعاء: "اللهم سلم سلم". وهذا يوضح مدى خطورة الموقف وصعوبته، حتى على الأنبياء الذين يشفقون على أممهم في تلك اللحظة.
خاتمة
لكي تجتاز هذا الصراط بنجاح، عليك بصراط الدنيا (الصراط المستقيم)، فبقدر استقامتك هنا، تكون سرعتك هناك:
المداومة على الصلاة: فهي النور الذي سيضيء لك ظلمات ذلك اليوم.
الصدقة: التي تطفئ غضب الرب وتجيرك من لفح النار.
سلامة الصدر: فمن سلك طريقاً يسهل به على الناس، سهل الله له طريقاً إلى الجنة.
يا رب أتمم لنا نورنا ونجنا من عذاب النار.. آمين.
تخريج الأحاديث:
حديث صفة الجسر: رواه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان).
حديث تفاوت النور: رواه الحاكم وصححه، وأصله في الصحيحين.
حديث "المرور كالبرق": رواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.






