أين عرش الرحمن وما صفاته ؟
❀..❀
.gif)
بعد أن استقر في قلوبنا أن الله سبحانه وتعالى استوى على العرش فوق سمواته، تأخذنا الفطرة والفضول الإيماني للتساؤل: ما هو العرش؟ وكيف وصفه النبي ﷺ؟ وما مدى عظمة هذا المخلوق الذي هو سقف كل المخلوقات؟ في هذا المقال، نغوص في نصوص الوحي لنرسم صورة تقريبية لعظمة ملكوت الله.
رحلة إلى سقف المخلوقات: المسافات الكونية المذهلة
لقد رسم لنا النبي ﷺ "خارطة" كونية مهيبة توضح موقع العرش وما فوق السموات السبع. ففي الحديث المشهور بـ "حديث الأوعال"، يتبين لنا ترتيب مذهل للمخلوقات:
عن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ بالبطحاء، فمرت سحابة، فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما هذا؟» قال: قلنا السحاب. قال: «والمزن». قال: قلنا: والمزن. قال: «والعنان». قال: فسكتنا. فقال: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قال قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال ﷺ: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة. ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة. وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وفوق السماء السابعة بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء».
(رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي).
صفات العرش: الياقوتة الحمراء وسقف الجنة
العرش ليس مجرد مكان، بل هو أعظم وأكبر المخلوقات التي خلقها الله على الإطلاق، ومن أبرز صفاته:
سقف الفردوس: قال النبي ﷺ: "إذا سألتُم اللهَ فسلوه الفردوسَ فإنها وسطُ الجنةِ وأعلى الجنةِ وسقفُها عرشُ الرحمن".
مادة الخلق: ذكر الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه (صفة العرش) عن بعض السلف أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بُعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة.
الهيكل العظيم: العرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو يحيط بالعالم كالقبة، وهو سقف لكل المخلوقات.
عظمة حملة العرش: مخلوقات لا يتخيلها العقل
لنتخيل عظمة العرش، يجب أن ننظر إلى قوة وعظمة من يحمله من الملائكة. وصف النبي ﷺ أحدهم في حديثه الشريف:
"أُذِن لي أن أُحدِّث عن ملكٍ من ملائكةِ اللهِ، من حملةِ العرشِ: إنَّ ما بينَ شحمةِ أُذنهِ إلى عاتقِه، مسيرةُ سبعمائةِ عامٍ". (صحيح أبي داود).
إذا كان هذا هو الحجم الهائل للمسافة بين الأذن والكتف لملك واحد، فكيف بحجم الملك كاملاً؟ وكيف بحجم العرش الذي يحمله ثمانية من هؤلاء العظماء؟!
الكرسي والعرش: نسبة مذهلة
قد يختلط الأمر بين "الكرسي" و"العرش"، لكن النبي ﷺ أوضح الفرق بتمثيل يبين ضآلة الكون أمام عظمة الله:
قال ﷺ: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
هل تعلم أن العرش يهتز؟
من عجائب العرش أنه يتفاعل مع أولياء الله المخلصين، فقد ثبت في الحديث الصحيح اهتزازه لموت أحد الصحابة فرحاً واستبشاراً.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ". (رواه البخاري ومسلم).
خاتمة: سبحانك ما قدرناك حق قدرك
عندما نتأمل في هذه المساحات الشاسعة والأرقام التي لا يدركها عقل، ندرك تماماً معنى قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. العرش مخلوق عظيم، فكيف بخالق العرش؟ الله المستوي فوق عرشه، المطلع على أعمالنا، السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية.
سبحانك ربي ما عرفنا قدرك ولا عبدناك حق عبادتك.
تخريج الأحاديث:
حديث الأوعال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وضعفه بعض المحققين لوجود انقطاع في سنده.
حديث سقف الجنة: رواه البخاري.
حديث ملك حملة العرش: رواه أبو داود وصححه الألباني.
حديث الكرسي والفلاة: رواه ابن حبان وصححه الألباني.